السبت، 8 يناير 2011

الحركة الاصلاحية بالزاوية القاسمية

بدأ الحديث مؤخرا في الزاوية القاسمية وبأصوات مرتفعة وذهنيات مقتنعة، بدأ الحديث عن مبادرات ومشروعات وأفكار ودعوات للنهضة والإصلاح، يمكن اعتبارها إرهاصات نهضة إصلاحية شاملة، وبدايات تبشر بآفاق واعدة، وإشراقات صاعدة تعيد الأمل من جديد لنفوس يئست من إمكانية التغيير أو التجديد، أو حتى فعل أي شيء ما، مبادرات بإمكانها أن تضيف الشيء الكثير إلى تاريخ الزاوية العلمي والروحي، وتعيدها إلى الطريق المستقيم بعد أن بدأت تنحرف عنه، وتبتعد عن أدوارها التاريخية الأصيلة، وتتبنى طروحات ومشاريع غريبة دخيلة، ساهمت في إبعادها طويلا عن الساحة الثقافية، وعن مجالي التأثير الروحي والتأثير الفكري.
فقد شهدت الفترة الأخيرة صعودا طيبا للحركة الإصلاحية بالزاوية القاسمية، أصوات مثقفة واعية تدعو إلى إصلاح أوضاع الزاوية، صدرت عن عاطفة قوية صادقة، آلمها ما وصلت إليه الأمور من تدهور رهيب وتراجع مستمر، وعلى جميع الأصعدة والمستويات، وجاءت استجابة فاعلة وقوية لكثير من التحديات والمشاكل التي تواجه هذه المؤسسة الدينية العريقة، ورغبة منها في توحيد كلمة أبناء الأسرة على رأي واحد وموقف واحد وفي صعيد واحد.
وقد يدخل هذا ضمن السياق العام والتحولات التي يعرفها العالم المعاصر، وحالة الانبعاث الديني التي لا تقتصر على العالم الإسلامي فقط، بل العالم كله يشهد نهضة دينية تؤثر على الحياة العامة والثقافة، وتعيد تشكيل الدول والمجتمعات، فالمجتمعات حاليا تبحث وبإصرار شديد عن أصالتها وهويتها، ولم تخرج الأسرة القاسمية عن هذه القاعدة العامة.
وتشكل الظروف الحالية فرصة مناسبة للحركة الإصلاحية، ومواتية لتقديم الكثير من الحلول العملية والأفكار المفيدة في سبيل تطوير الزاوية والخروج بها من عنق الزجاجة، فقد شهدت المرحلة الحالية نهضة صوفية، وعرف المجتمع الجزائري عامة انفتاحا إعلاميا كبيرا، وأصبحت شبكة الانترنت العامل الرئيس في اكتساب المعلومات من المصادر المختلفة، مما ساهم في زيادة الوعي بأهمية هذه المؤسسة.
كما تعد هذه السياقات التاريخية فرصة ممتازة لممارسة الضغط لبناء مشروع حضاري ثقافي ديني حقيقي، مؤسس على مبادئ وأدبيات الشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي، التي ارتضاها لمشروعه، وأقام عليها أسسه ودعائمه، وإلا انتقلنا إلى مجال آخر، وابتعدنا عن الأهداف والقيم التي أسست عليها الزاوية. كما يقوم على توسيع دائرة مشاركة أبناء الأسرة، وتكريس مفهوم العمل المؤسسي، لأنه شئنا أم أبينا تفرض علينا التطورات المعاصرة الالتزام بجملة من الشروط والقواعد في تسيير المؤسسات قد لا تكون معروفة من قبل، لكنها تخدم مصلحة المؤسسة وتقودها إلى الأفضل.
انطلقت هذه الحركة من منظور معرفي فكري، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويتبنى خطابا واقعيا يناقش القضايا الاجتماعية والدينية والثقافية بشكل مقنع وفاعل، يقدّم في إطار لغة معاصرة تستوعب المتغيرات الاجتماعية والثقافية وتتمكن بواسطته من العبور إلى المستقبل بخطى واثقة حازمة.
تدعو الحركة إلى مشروع إصلاحي مجتمعي، ولديها جملة من المطالب طيبة ولكنها واقعية وعملية، تراعي الظروف التي توجد فيها، ولا تتجاوز حقائق المجتمع الذي تنتمي إليه. معنية بالبحث عن الممكنات في مضمار البناء الفكري والاجتماعي.
وقراءة سريعة في أدبيات الخطاب الاصلاحي في الزاوية القاسمية، يجعلنا ننظر إليها بإكبار وإجلال، لخطابها الهادئ المبني على أرضية صلبة، ولمطالبها الواقعية الجادة، المسايرة لروح العصر ومقتضياته، ونظرتها المستبقلية الواعية بحقائق مجتمعها، المستشفة لما هو آت، منفتحة على الذات مستلهمة من التاريخ والتراث الزبدة والخلاصة، مستفيدة من تجارب الآخر وعلومه وتقنياته. وهو ربما الأمر الذي يمكنها من البقاء والصمود طويلا والوصول إلى أهدافها المرسومة في أقرب الآجال.
ولعل أهم ما يلفت الانتباه في مسار هذه الحركة، هو هذا الايمان العميق بصحة المطلب وتحديد الهدف بدقة، وهذه الحركية النشطة، والانتقال من القول إلى الفعل، من الهم الواحد إلى الهم المشترك. من العمل الفردي إلى العمل الجماعي، واسماع صوتها إلى كل من يهمه الأمر، واستطاعت هذه الحركة الاصلاحية ـ في ظرف وجيز جدا ـ استقطاب كثير من الفاعلين على المستوى الثقافي، وإحداث هزة في أوساط الزاوية لم ير لها مثيل.
والتف حولها كثير من أبناء الأسرة، لما وجدوا فيها من خطاب واع مثقف متوازن، يدعو إلى إحداث تغييرات جذرية ولكن بأسلوب هادئ متميز، يحافظ على الثوابت العقدية والفكرية والدينية، ويعمل على التأقلم مع قضايا العصر بما يحفظ له أصالته. كما استطاعت أن توحد الرؤية، وأن توظف بفاعلية التقنية الحديثة ووسائلها الإعلامية في التأثير والاتصال.
والحقيقة إننا أمام لحظة تاريخية حاسمة، ومنعرج تاريخي هام، مقبلون على مرحلة تتطلب الكثير من الانتباه والتركيز، والمراجعة الدائمة والتحديث المستمر، فلم تعد أنساق التفكير القديمة تجد لها مكانا، ما لم تطور نفسها، وتسعى إلى تحديث أهدافها ووسائلها، وتعمل على تطوير ذاتها، والتأقلم مع محيطها. وهو ما يحتم علينا أن نقف لحظة تأمل مع الذات ومراجعة للحسابات، وموقف لاستخلاص العبر والدروس لمواصلة الحياة، ومعركة البقاء، وأن نحسن دراسة واقعنا وأن نحسن استشراف مستقبلنا، معرفة ما هو متوقع ومحتمل، بعيدا عن النزعة التشاؤمية وبعيدا أيضا عن النزعة الانبساطية.
هذه المعطيات في اعتقادنا هي التي جعلت الحركة الإصلاحية تنطلق نحو هذا الاتجاه، وأملت عليها ضرورة التحرك وبسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، واعادة الحياة إلى الهياكل الخاوية. فهي تعتقد أنّ استمرار الأوضاع كما هي عليه الآن ورفض التغيير وعدم مشاركة الطبقة المثقفة والواعية في إدارة شئون الزاوية سيؤدي حتما إلى مزيد من الانهيار، وسوف يقود إلى الكارثة لا محالة. وأن الإصلاح السريع والعميق والجدي لشأن الزاوية، سيعمل على إخراجها من أزمتها الحالية، ويبعث الأمل من جديد في إمكانية استعادتها لأدوارها التاريخية، والوصول بها إلى بر الأمان.
أما الاستمرار على النهج المتبع الآن في التسيير والإدارة والحكم، والذي كان السبب وراء الأوضاع الكارثية الحالية التي تعرفها الزاوية، سيقود حتما إلى مزيد من الانحلال والتفكك والتراجع.
ثم إنّ تأجيل عمليات الإصلاح الداخلي للزاوية بحجة المشاريع الكبرى والتوسعة العظمى التي تشهدها من حيث الهياكل والمباني، سيزيد الموقف تأزما، ويعمل على تفويت الفرصة على الزاوية لتصل إلى المكانة التي يجب أن تكون فيها. بالنظر إلى إمكانياتها المادية، ومخزونها الثقافي والديني، وتاريخها العلمي. وهي من أبرز المرتكزات التي تستطيع الزاوية توظيفها والانطلاق منها لرسم آفاق مستقبل زاهر. إننا بحاجة إلى إعادة صياغة أفكارنا من جديد، ووضع تصورات معاصرة، على أسس جديدة، تقوم باستثمار الطاقات، وتوفير الوقت واللحاق بالركب.
هذا ومن الأسئلة الكبرى التي تطرحها الحركة بشأن الزاوية القاسمية، والتي تعمل على إيجاد إجابات واقعية ومنطقية عليها: ما هي العوامل الرئيسة التي أدت إلى الوضع الذي تعرفه حاليا؟ هل كان بإمكانها تفادي هذا المصير الرهيب وتجنب هذا المآل العصيب؟ هل هناك خطة مسبقة تهدف إلى القضاء على هذا المعلم الحضاري الهام، بعد فشل كل المحاولات السابقة على عهد الرئيس هواري بومدين؟ فانتقاما من هذه المؤسسة وسعيا إلى خرابها ودمارها استغل بعض المتنفذين الظرف وأجهز على الزاوية تنفيذا لإملاءات لا نعرف مصدرا لها؟ هل هناك عوامل خارجية ساهمت بطريقة أو بأخرى في تردي الأوضاع بالزاوية؟
مما يؤخذ على الزاوية القاسمية في الفترات الأخيرة، هو عجزها التام وعدم قدرتها على التفاعل والاستجابة إلى التطورات الاجتماعية، بما في ذلك مناقشة كثير من القضايا الاجتماعية والثقافية والتأثير على شرائح وفئات اجتماعية…وهي من أهم الأسس التي قامت عليها الزوايا في العالم الإسلامي عامة وفي المغرب العربي خاصة.
ومما يؤخذ على النخبة الحاكمة بالزاوية القاسمية: ضعف إنجازاتها، وتجاهلها لمصالح الطبقة المعدمة والفقيرة، واهتمامها المتزايد بمصالحها الخاصة، وعجزها عن بناء استراتيجية واضحة المعالم تقوى على مواجهة التحديات التي تواجهها الزاوية، ثم هذه النزعة المتعالية، وثقافة المكابرة وتبجيل الذات، والثبات على الخطأ والتستر على الآفات، ناهيك عن القفز على الحقائق، والخوف من المتغيرات.
إن المرحلة القادمة تتطلب منا زيادة الانتباه إلى القضايا الجوهرية التي تهم الفرد المسلم في الجزائر وفي بقية العالم الإسلامي، إذ الزاوية جزء لا يتجزأ من هذا الكيان العربي المسلم، وقد شاركت فيما سبق في كبرى القضايا الأمة الإسلامية، من تحرير فلسطين، وتحرير الجزائر، والمساهمة في الحفاظ على الهوية، والتماسك الاجتماعي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق