السبت، 8 يناير 2011

نداء إلى أبناء الأسرة القاسمية الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبيينا
محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين

نداء إلى أبناء الأسرة القاسمية الشريفة
الزاوية القاسمية بالهامل أية أدوار وأية رهانات جديدة؟

السادة الفضلاء أبناء الأسرة القاسمية الموقرة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أفتتح مقالتي هذه بقوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: لا تجتمع أمتي على ضلالة.
ويقول أحد المثقفين المعاصرين: "إن الأمم التي تقهر على الصعيد الثقافي فإنها تنسلخ من تراثها وتصبح كالأرض الجرداء لا تنبت شجرا ولا تخصب ثمرا، وحينئذ تذوب رويدا رويدا ثم تموت".
قامت الزوايا في العالم الإسلامي عامة ـ وفي الجزائر بصفة خاصة ـ بدور كبير في الحفاظ على العقيدة السليمة، وتعليم اللغة العربية، وتوحيد الأمة والمحافظة على الهوية والأصالة، ومقاومة الزيغ الفكري والعقدي، والدفاع عن استقلال البلاد ووحدتها وكرامتها، انطلاقا من العناية بالقرآن الكريم حفظا وتعلما وتعليما، وبالحديث النبوي الشريف الذي بين القرآن، وبعلوم اللغة العربية التي لا يفهم الكتاب العزيز إلا بها، وعلم الشريعة التي شرحت أحكام الدين وأصلتها وقررت فروعها على مذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة. فتخرج منها رغم قلة الوسائل وضعف الإمكانيات طلبة يحفظون كتاب الله وسنة نبيه ومتون العلوم الشرعية ويعلمون حظا وافرا من علوم اللغة وأحكام الفقه...
كما قامت الزوايا بدور اجتماعي هام حيث جسمت مبادئ الدين الحنيف في التضامن والتآزر والبذل والعطاء ابتغاء للأجر والثواب ووجد الفقراء والمحتاجون والمهمشون فيها الملجأ والملاذ مما خفف عليهم ما هم فيه من حاجة وفاقة. ومن المهام الأساسية التي تكفلت بها أيضا إصلاح ذات البين وإطفاء نيران النزاعات والخلافات بين العروش والقبائل التي تنشب بسببها صراعات ونزاعات تصل في بعض الأحيان إلى درجة الاقتتال والزاوية بما لها وفيها من شفافية روحية وتسام وترفع عن حظوظ المادة الزائلة تقوم بتهدئة وتلطيف وإصلاح بين الناس.
وتتجلى أهمية الزوايا بشكل عام في وقتنا الراهن، في تأثيرها البعيد وحضورها القوي لدى مختلف طبقات الشعب الجزائري، بالاعتماد على تراثها الحضاري، وموروثها الثقافي ومخزونها الفكري، مما يمكن استثماره في تبليغ رسائل جديدة، ونشر أفكار جيدة تسعى لإيجاد فرد صالح مستقيم ومجتمع متوازن سليم من الأمراض والآفات الاجتماعية.
وكان الباحثون والمهتمون بالشأن الصوفي في بداية القرن العشرين متأكدين من أن الزوايا والطرق الصوفية في الجزائر سوف تنتهي بعد فترة قصيرة. وبعدهم كثير من أبناء العالم الإسلامي الذين ينتمون إلى تيارات مختلفة، كانوا يرون الرأي نفسه. لكنا ندخل اليوم قرنا جديدا والحالة تؤكد عكس ذلك، فمسألة التطور الحالي للطرق الصوفية والزوايا تؤكد على محورية دورها في المجتمع الإسلامي المعاصر، وعدم إهمال هذا المكون الأساسي من مكونات المجتمع المغاربي على الأقل، في عملية النهوض بالمجتمع من كبوته التي دامت قرونا طويلة.
وإذا رجعنا إلى زاوية الهامل القاسمية موضوع الاهتمام، وجدنا أن الأمر نفسه ينطبق عليها إذا توفرت العزيمة وصدقت النوايا، وكان الأمر خالصا لوجه الله الكريم. إذ تعد الزاوية القاسمية واحدة من الزوايا الشهيرة في القطر، وأنموذج صالح لكثير من الزوايا الجزائرية التي عملت جاهدة في سبيل الحفاظ على مقومات الشعب الجزائري. تتداخل فيها كل الأبعاد الروحي الديني العلمي الثقافي الاجتماعي. أثرت في مسار ثقافة شعب عانى من ويلات التخريب والتدمير والضياع. وشكلت همزة وصل بين الحاضر والماضي. كما تعتبر من أصدق الشواهد المادية على المقاومة الثقافية.
فهي من المعالم الحضارية والصروح العلمية التي تزخر بها بلادنا، والتي يحق لها أن تفتخر بها وتتباهى، وهي من المؤسسات التربوية التي أنشئت في منتصف القرن التاسع عشر، وأدت دورا هاما وأساسيا في المحافظة على أصالة وقيم هذا الشعب الدينية والروحية والثقافية. وكانت تعد مركزا شهيرا للتعليم العربي، وظلت تعمل على تحفيظ كتاب الله العزيز وتنشئة طلبة العلم على التعلم والتحصيل، وفق المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، كما حافظت على المرجعية الأساسية في العملية التربوية ببلاد المغرب الإسلامي:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
أسسها الشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي، وهو من رجالات التصوف والعلم بالجزائر في منتصف القرن التاسع عشر، وتم تأسيسها في ظروف صعبة، بعد التشديد على المدارس القرآنية والزوايا والضغط عليها، وذلك بعد مشاركة الزوايا والطرق الصوفية في معظم الثورات التي قامت ضد المحتل الأجنبي، بل نجد أن معظم الثورات كان قادتها هم شيوخ زوايا وزعماء طرق صوفية.
أسسها صاحبها لمجموعة من الأهداف والغايات وهي: التعليم والطريقة والرعاية، فهو في إحدى مراسلاته يقول متحدثا عن نفسه بصيغة الغائب: ".... فبنى بها زاوية للطلبة والإخوان والأرامل والأيتام والزمنى والعميان، فتعلم عنده بالزاوية المذكورة خلق كثير قراءة القرآن والفقه والنحو وغير ذلك من العلوم العقلية والنقلية وإعطاء أوراد الطريقة الرحمانية".
فهذه الفقرة تحدد الغايات التي من أجلها كان التأسيس، وتوضح الأدوار والوظائف التي قامت بها وهي: خدمة طلبة العلم، وجمع المريدين على صعيد واحد، وكفالة الأرامل والأيتام. زيادة على تعليم العلم، ونشر الطريقة. يقول أحد الباحثين: "إن عظمة هذا المعهد كانت بعظمة مؤسسه فعبقريته العلمية، شخصيته القوية، وإخلاصه وبراعته وحكمته هي التي جعلت المعهد الهاملي يطلع طلوع الشمس قوية زاهرة. فاشتهر سريعا. وبعد أن كانت قرية الهامل تضم مدرستين قرآنيتين وبعض الكتاتيب الصغيرة عند بداية الاحتلال صارت مركز إشعاع علمي وديني عظيم ومعلما نيرا".
والهدف الأسمى للزاوية القاسمية هو التأسيس لمجتمع إسلامي معاصر متمسك بدينه وعقيدته، آمن في وطنه، ورأت أن الانطلاقة تكون من التعليم وتعليم الناشئة تحديدا، فأولت عنايتها الكاملة وركزت جهودها على تحسين وتطوير العملية التعليمية، وتوفيرها على المدى الواسع وفي جميع المستويات. معتمدة في ذلك على الله وعلى جهود المخلصين من أبناء هذا الوطن العزيز، حاولت أن تستقرئ الواقع المعيش قراءة متأنية فاحصة لتنطلق منه إلى وضع قواعد وأسس متينة لإصلاح المنظومة التعليمية ومنه المنظومة الفكرية ككل.
وساهمت الزاوية القاسمية في ترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة في النفوس، وابتعدت عن البدع والخرافات والتدجيل والشعوذة، وحافظت على عقيدة أهل الناس صافية نقية، وذلك بالتزامها بالتصوف السني على أساس الكتاب والسنة، والذي التزم به مؤسسها منهجا في حياته العلمية، ويعد الشيخ من أكبر أقطابه في العالم الإسلامي.
كما ساهمت في بعث حركة علمية فكرية واسعة شملت مناطق عدة من الوطن وبلغ تأثيرها إلى خارجه، عن طريق البعثات والمراسلات والعلاقات مع علماء العصر، وجعلت من تلك القرية الهادئة الوادعة ـ قرية الهامل ـ مركزا هاما من مراكز التعليم في القطر الجزائري، ينافس بمستواه كبريات الحواضر العلمية المعروفة في العالم الإسلامي، كالأزهر الشريف بالقاهرة والزيتونة بتونس والقرويين بفاس.
ودخلت معترك الصراع الحضاري والثقافي مع المحتل الأجنبي، بترسيخ القيم الحضارية والأبعاد الروحية والدينية للشعب الجزائري، وسعت إلى تكوين أجيال متشبعة بالأخلاق الإسلامية ومتمسكة بالآداب والفضائل السامية، وفتحت أبوابها على مصراعيها أمام طلبة العلم والمعرفة، لينهلوا ما شاء لهم من علوم ومعارف إسلامية، وركزت أساسا على اللغة العربية لما تحمله من مضامين وقيم.
وواجهت بكل ذكاء وحزم مشروع المحتل الفرنسي، الداعي إلى القضاء على حضارة وثقافة الشعب المغلوب على أمره. يقول أحد أساطين الاحتلال الفرنسي وكبار رجاله الماريشال بيجو"Bugeaud": "وحتى نحضّر فلا بد من نشر الأفكار الإنجيلية، فلنفكر جيدا، إن الأفكار سوف تضمن هيمنتنا، وأن الأفكار هي التي ستحاربنا، إن قوة الأمير عبد القادر الحقيقية، القوة التي تثبت أمامنا منبعها الأفكار، لذلك فإن الأفكار لا تأتي عليها إلا أفكار جديدة أعلى منها، ويجب أن يقود هذا المبدأ سيرنا نحو الانتصار، فإن ظهر أكثر بطئا فإنه بالمقابل مضمون العواقب".
على أنها في الفترات الأخيرة، وتحديدا في العشرية السابقة عرفت ـ للأسف الشديد ـ تراجعا خطيرا وتقهقرا رهيبا، وابتعادا عن الأهداف التي رسمها لها الشيخ المؤسس، والغايات النبيلة التي عمل شيوخ الزاوية الذين تعاقبوا على مشيختها على بلوغها. إذ شهدت الزاوية فترات ازدهار كثيرة، ثم أخذت في الانحسار ـ ولم تخرج عن السنن الكونية للتاريخ البشري ـ أفرزت فترة الانحسار هذه من داخلها عقلية مضادة للعقل والابتكار والاجتهاد، ووضعت قيودا مجحفة لعمل العقل الإنساني. بحجة الدفاع عن جاه ونفوذ لا حد لهما في إدارة وتوجيه الحياة العامة.
كما عرفت غيابا كبيرا على مستوى المشهد الحضاري، الذي ساهمت في فترة من الفترات في إغنائه وإثرائه، واشتهرت بأنها من أكبر قلاع المقاومة الثقافية العنيدة، فلم تعد تطرح تلك الأسئلة الكثيفة التي تدفع عجلة التقدم إلى الأمام، وتنقذ المجتمع والإنسان من براثن الجهل والظلام، ولم تستطع القيام بأي انجاز حضاري يعتد به، ولم تعد كما كانت في سابق عهدها منتجة للأفكار ـ والمشكلة الآن مشكلة أفكار ـ داعية إلى الإبداع، وملتقى للنخبة من العلماء والمفكرين والساسة والمجتهدين، حيث كان يأوي إليها الديسي والحفناوي والمكي والحجوي وابن نبي وغيرهم من فطاحل العلماء والمبدعين. مما أدى إلى العجز عن مواجهة التحديات. وعدم القدرة على مواكبة متطلبات العصر ومعطياته ستقود حتما لانهيار الزاوية في نهاية الأمر.
كما عرفت في الفترة الأخيرة ابتعادا عن أداء أدوارها الأساسية التي قامت لأجلها، وهي التربية والتعليم والرعاية كما مر معنا في رسالة الشيخ المؤسس، من تعليم العلم الشرعي والقيام بشئون الفقراء والمساكين، وهي من الأدوار الأساسية التي قامت بها الزاوية. ومن أخطر المؤشرات هي هذا الانخفاض الرهيب لعدد الطلبة من حوالي 314 طالب سنة 1992 إلى حوالي 30 طالب سنة 2010.
ويكاد يجمع الملاحظون والمتتبعون لشئون الطرق والزوايا في الجزائر على أن كافة مؤشرات التقدم داخل الزاوية في تراجع مستمر، ويغلب عليها طابع الجمود. فلم تعد الزاوية القاسمية قادرة على مواكبة العصر، وتقديم خطة تحديث شاملة في منظومة القيم الثقافية والدينية التي تحكم العلاقات الأفقية والعمودية في مجال التعامل والإطار العام الذي تشتغل فيه الزاوية. وهي النتيجة التي خلصت إليها إحدى الدراسات الأكاديمية الحديثة.
ومن أخطر المظاهر التي عرفتها الزاوية في الفترة الأخيرة، الانفصال الرهيب في شبكة العلاقات الاجتماعية، وهو مؤشر آخر من مؤشرات التراجع والانهيار التدريجي ـ إذا لم يتدارك الوضع لا قدر الله ـ فالمجتمع يقوم على شبكة من العلاقات، ويشترط أن تكون قوية صلبة، بفعل عوامل عدة: الدين، القرابة والمصاهرة، العلاقات الاقتصادية، وعندما "يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، تصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك بصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، وأنه ماض إلى نهايته. وأما إذا تفككت الشبكة نهائيا فذلك إيذان بهلاك المجتمع". على حد تعبير المفكر مالك بن نبي.
ومن مظاهر هذا التفكك والانفصال في شبكة العلاقات الاجتماعية وتجلياته، تشتت وحدة الصف، وغياب العمل الجماعي، وانعدام الروح الجماعية المشتركة، وعدم الشعور بالانتماء لدى كثير من أبناء هذه المؤسسة العتيدة، فلم تعد الزاوية تمتلك تلك القوة لجمع الناس على صعيد واحد، وعلى كلمة واحدة، وقد كانت من أبرز خصائص الزاوية القاسمية على مدى الفترات المتلاحقة ـ، ولم تعد تمتلك التأثير على أبناء الأسرة القاسمية بله أبناء القرية، ناهيك عن الأتباع والمريدين، فكانت إذا دعت الناس إلى اجتماع التف حولها وفي ظرف وجيز الآلاف من الأتباع، والآن بالكاد تجمع العشرات إلى لقاء بالزاوية أو تجمع انتخابي.
ويعتبر الشعور بالانتماء من الخطوات الهامة في بناء المجتمعات والمؤسسات، والتي تحرص الدول القوية والمحترمة على تنميتها وغرسها في أبناء المجتمعات التي تنتمي إليها. فالجماعة أقدر من الفرد على مواجهة الصعوبات التي زادت في أيامنا الآن وتعقدت‏، بحيث أصبح من الصعب التغلب عليها، ويقتضي العمل على حلها والتغلب عليها.
فثمة أزمة حقيقية في مسيرة الزاوية قد تلقي بها خارج التاريخ، فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص أو طغيان الفكرة. ولم تستطع بالرغم مما تملكه من إمكانيات ووسائل، وثروات وهياكل، أن ترعى العلاقة بين العلم والضمير، بين العناصر المادية والوجود الروحي فغرقت في هاوية المادية والتركيز على المظاهر الشكلية، على غرار بقية المؤسسات الاستهلاكية التي يعرفها المجتمع المعاصر، وفقدت بذلك خصوصيتها وميزتها.
فالناظر في شئون الزاوية القاسمية اليوم والمتأمل في واقعها، يصاب بالدهشة وتنتابه الحيرة للواقع المر الذي آلت إليه والمصير الأليم الذي انتهت إليه. فبعد أن كانت رائدة الزوايا وقائدتها وقدوتها، أصبحت في آخر الترتيب والسلم، وأضحت مضرب الأمثال في التراجع والتخلف، وكثير من شيوخ الزوايا الذين كانوا يطلبون ودها، ويعملون جاهدين ليحظوا بمقابلة من شيخها، أصبحوا الآن هم من يتعطف ويتكرم بمقابلة شيخها، بل لا يقيمون وزنا لحضورها، ولا يلتفتون إلى وجودها.
ونتيجة لكل هذه الأسباب، فقدت الزاوية قوتها الأخلاقية والقيمية والروحية، وهي من عوامل سقوط الحضارات والمجتمعات والمؤسسات، عند كبار مؤرخي الحضارات ودارسيها. وفقدت بذلك بريقها الأخاذ الذي عرفت واشتهرت به طيلة أكثر من قرن ونصف من الوجود. وإن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب.
وفى اعتقادنا أن أسباب حدوث ذلك عديدة ولكن يبقى في مقدمتها
• تواصل الدعاية على المستوى الفوقي أو الكلي (الماكرو).
• وعدم التركيز على التغيير الجذري في العقلية.
ونحن لما نقول هذا الكلام وأن نصدر مثل هذه الأحكام فلا نقصد من ورائها، أن أي جهد أو اصلاح لن ينقذها في نهاية المطاف من مصيرها المحتوم. إنما نريد أن نحلل ونفسر الأسباب وعوامل الانهيار التدريجي، بغرض معالجة هذه الأسباب وتجنب دواعي الانهيار، وهو كفيل بأن ينقذ الزاوية من السقوط إلى الهاوية.
ولا شك أن انشغال كثير من الباحثين بالإجابة عن كيفية النهوض بهذه المؤسسة العريقة والعودة بها إلى سابق عهدها، دفعهم إلى البحث والمساءلة والمتابعة، لكل صغيرة وكبيرة تتعلق بهذه الزاوية، ومحاولة معرفة ما جرى لها في العشرية الأخيرة، التي عرفت هذا التراجع الخطير عن القيام بالأدوار التي كانت تضطلع بها.
هل من الممكن أن تنهض الزاوية من جديد بالإجابة عن أسئلة المجتمع الجزائري عامة، عن الانشغالات المطروحة على الساحة المحلية على الأقل، من خلال رصيدها الفكري والتاريخي والديني؟ هل بإمكانها حاليا أن تفرض حضورها الواسع والفاعل في النطاقات المحلية والوطنية، وتفتح مجالات النقاش واسعا حول قضايا وموضوعات الساعة، وتشارك في الحوارات الفكرية المعاصرة.
وهو ما يستدعي التفكير جديا في خطة اصلاح شاملة لوضعية الزاوية الراهنة، وعملية تغيير أساسية في البناء الفكري والاجتماعي لها، ووضع آليات معاصرة تسمح لها بالعودة إلى مجالات عملها وتأثيرها، وفتح فضاءات أخرى للمشاركة والتفاعل مع الحياة الدينية والاجتماعية، ومنه التأثير والمساهمة بجزء في عمليات النهضة الشاملة التي تعرفها المجتمعات الإسلامية المعاصرة.
إننا هنا لا نريد أن نقدم وعودا كبيرة وننشر آمالا عريضة، إنما أن نسعى إلى أن نبذر بذرة صالحة في أرض الهامل المعطاء،
على أن الأمر الذي يجب أن نؤكد عليه أن الوضع العالمي وحركة التاريخ هي في صالح النخب المثقفة والمخلصة التي تعمل على الرفع من مستوى الوعي والإدراك السليم لحقائق الأشياء،

وفي تصورنا أن هناك استراتيجية ثلاثية الأبعاد تتعلق بعملية إصلاح الزاوية:
البعد الأول ويرتبط بمفهوم الزاوية المعاصر الذي نريد أن نؤسس له، ونتفق على منطلقاته ومبادئه وقيمه، قد يرتبط بمفهوم المجتمع المدني الحديث. إذ تفرض علينا التطورات الاجتماعية والسياقات العامة للحركة الصوفية العودة إلى تحديد المفاهيم الأساسية: كمفهوم "الزاوية" و"الطريقة" و"الشيخ" و"المريد"...، ومن خلالها رسم صورة لإسهام الزاوية القاسمية في ضبط هذه المفاهيم وتحديد معالمها، وعلى رأسها مفهوم "الزاوية" وماذا نعني به.
فلم تعد الزاوية هي ذلك المكان الذي يلتقي فيه الناس يتلقون بعض العلوم الشرعية، وتقوم بالصلح بين الأعراش والقبائل فقط ـ وهي من المهام الرئيسة التي اضطلعت بها الزوايا على مدى قرون طويلة ونحن هنا لا ننقص من قيمتها وشأنها بل على العكس نريد لها حضورا أقوى وبروزا أشد ـ، بل يجب أن تنطلق إلى آفاق أرحب وفضاءات أوسع، وأن تأخذ أبعادا أخرى تتناسب وروح العصر، وتتماشى مع التحولات الكبرى التي يعرفها العالم المعاصر، هذا طبعا دون التخلي عن خصائصها ومواصفاتها الأساسية التي تميزها عن بقية المؤسسات الأخرى الفاعلة في الحقل الديني. وفي هذا المجال تحديدا، قد يطول الكلام وهو ما نتركه ليوم الاجتماع.
البعد الثاني ويهم وظيفة الزاوية القاسمية ضمن الحقل الديني، وكانت لها أدوار ووظائف أساسية في فترات مختلفة، واختلفت أدوارها بحسب الظروف التي تعرفها البلاد، ـ وهو من خصائص الطرق الصوفية والزوايا ـ وهو الأمر الذي سمح لها بالصمود والمواجهة والمقاومة. ماذا يمكن أن تقدمه الزاوية في سياق العمل المتكاتف لبقية الطرق والزوايا والحركات الإسلامية بشكل عام، ما الذي يمكنها القيام به في مواجهة التحديات الروحية والأخلاقية التي يعرفها المجتمع الإسلامي ـ وقد ظلت الزاوية لفترات طويلة خارج ساحة التدافع القيمي والأخلاقي ـ. ما هي الإضافات النوعية التي يمكن أن تضيفها هذه المؤسسة للمجتمع العربي المسلم، إذ أنها انطلقت منه وصدرت عن قضاياه الجوهرية: الروحية والدينية والعلمية والاجتماعية، ماذا يمكن لها أن تقدم وسط هذا العالم المتعدد الأصوات المليء بالتناقضات الساعي إلى تدمير الذات من الداخل والبقاء بعيدا متلهيا بفكرة أو نظرية مشوشة التفكير صعبة الفهم عزيزة المنال.
إننا نطمح إلى تصوف إسلامي تندمج فيه الحياة العقلية بالحياة الروحية في توازن محكم ودقيق يبقى معه الإنسان داخليا قابل لتلقي المؤثرات الإلهية والنفحات الربانية ويعيش حياة داخلية تأملية مكثفة. مع التفاعل الإيجابي والتواصل التام مع الحياة الاجتماعية الخلاقة. على ما يذهب إليه كثير من رجال التصوف وليكن هذا هو الهدف العام للزاوية القاسمية في كل ما تقوم به من أعمال وتضطلع به من مهام.
أما البعد الثالث فيتعلق بالفائدة المرجوة من هذا الاصلاح داخليا وخارجيا، على المستوى المحلي وعلى المستوى الخارجي، ما هي القضايا الجوهرية التي ينصب عليها التفكير، وتدور عليها عملية الإصلاح؟ هل هو العودة إلى حياض الدين والبقاء ضمن إطار معين محدود والانغلاق على الذات، أم إثراء التجربة الدينية والتأكيد على مبدأ الاجتهاد، والانفتاح على العلوم المعاصرة والفلسفات؟ ثم ما الغاية من هذا الإصلاح هل هو خدمة للدين الإسلامي، أم دفاعا عن الحق في البقاء والوجود، أم نفيا لتهمة الركود والجمود؟ هل هو لخدمة مصلحة فرد بذاته أو مجتمع محدد أو أمة بكاملها؟ هل جاء نتيجة إملاءات خارجية أم ضغوط داخلية، أم نية خالصة لوجه الله في سبيل الإصلاح والتقدم إلى الأمام. وقد اتهم التيار الصوفي بـأنه يخدم سياسة الدول العربية الرامية إلى مواجهة التيار السلفي.
من هنا وجب علينا النظر إلى مفهوم إصلاح الزاوية، والاستعانة بأحدث الآراء والتصورات التي تعمل على إبراز الوجه المشرق، وإعطاء صورة صادقة حية لهذه الزوايا والمؤسسات، والاستفادة من الخبرات والتجارب السابقة، في هذا الميدان تحديدا، كتجربة فتح الله كولن، أو حمزة البودشيشي، أو الشيخ ناظم الحقاني النقشبندي... والعالم يعرف اليوم هذا الانفجار المعرفي، وهذا التطور الرهيب في شتى المجالات، لا نملك إلا أن نعود يوميا إلى مثل هذه التجارب والحركات الفاعلة والفعالة، والتي أثبتت حضورها وقوتها وخدمتها للعالم الإسلامي ولأبناء الإنسانية جمعاء. دون التخلي طبعا عن الموروث التاريخي والأدبي لهذه المؤسسة العريقة.
لن نستطيع أن نفهم أو نتوقع طرق معالجة الوضع في الزاوية، دون فقه عميق لجذورها وأبعادها، ولن نمتلك القدرة على طرح آليات لحل المشكلة إلا بوجود قاعدة معلوماتية تشرح لنا أبعاد الموقف كله، وهذا لا يكفي فيه جهد فرد أو أفراد، إنما يحتاج إلى جهود جماعة مخلصة، وإلى عدد كبير من المتخصصين والمهتمين بالشأن الصوفي، كما يحتاج إلى تكاتف الجهود والنفس الطويل، والإرادة المخلصة والعزيمة القوية.

ونسرد هنا جملة من التصورات السريعة التي تهدف إلى إيجاد أرضية عمل مشتركة، أو ورقة مبدئية، وليست برنامجا عاما للإصلاح، فذلك متروك لأبناء الأسرة الكرام. فمن أهم الاجراءات العملية ـ في اعتقادنا ـ التي يجب اتخاذها والقيام بها في القريب العاجل:
• تقييم واقعي للمنجزات، ووضع تصورات، وتقديم اقتراحات، ورفع توصيات، في سبيل إعادة الحياة للزاوية القاسمية.
• تحليل المعطيات ورصد الإمكانات، من أجل رسم سياسة الزاوية في العشرية القادمة.
• وضع عقد شرف يخص شئون إدارة الزاوية. وتبني نظام "الحكم الراشد" أو "الحكامة" وهو أسلوب جديد في التدبير عبارة عن أداة لضبط وتوجيه وتسيير التوجهات الاستراتيجية الكبرى للمؤسسة، ويدعم تذويب الحدود وتشجيع التشارك في التسيير بين أبناء الأسرة.
• الاحتكام إلى مقاربة التوافق والتشاور حول تسيير العملية التعليمية بالزاوية.
• دراسة العروض المقدمة لتطوير هذه المؤسسة وتحديثها، من قبل لجان مختصة.
• زيارات ميدانية للزاوية، والوقوف على النقائص والسلبيات، وتدارك الثغرات والهفوات.
وكل هذا يحتاج إلى جهد ووقت وفكر، وقبل كل ذلك وبعده يحتاج إلى عقول متجردة من الأهواء، لا تبغي بعملها هذا إلا وجه الله ـ تعالى ـ ، وتحرص كل الحرص على عدم الميل إلى جانب على حساب جانب آخر لمصالح معيّنة، أو منافعَ ذاتية.
وقد خلصت إحدى الدراسات الحديثة إلى أن التقدم في المجتمعات التي بلغت شأنا بعيدا في مسيرة النمو والتقدم كان نتيجة لمجموعة من القيم تم تأصيلها في المجتمع منها:
قيم العقل والنقد والفضاء الواسع للعقل النقدي (Critical Mind) وهي أول القيم. وثاني هذه القيم هي تأصيل قيمة التعددية (Plurality) كعلم من أهم معالم الحياة بوجه عام، والمعرفة والعلم والثقافة بوجه خاص. وثالث هذه القيم هو الغيرية (Otherness) التي فحواها قبول الآخر، والغيرية نتيجة طبيعية لتأصيل قيمة التعددية. ثم قيمة العمل وهى تتضمن ما يحيط بالعمل من مفاهيم حديثة مثل العمل الجماعي والاتقان وتقنيات الإدارة الحديثة وثقافة المؤسسة عوضاً عن ثقافة الأشخاص. وأخيرا وليس آخرا قيمة الاهتمام بالمستقبل أكثر من الاهتمام المفرط بالماضي الذى هو من معالم الثقافة العربية.
وهي القيم التي تجمع المجتمعات المعاصرة على العمل بها والتقيد بها، وترسيخها في ثقافة أفرادها، وهو ما نستطيع التأكيد عليه بدورنا وتوظيفه في إعداد منهج لإصلاح الزاوية. ووضعه في سلم أولوياتها.
ويبقى المجال مفتوحا أمام الأفكار الجادة العملية والتصورات البناءة، لعرضها ومناقشتها والخلوص منها إلى توصيات ومقترحات ترفع إلى مشيخة الزاوية القاسمية للنظر فيها، إذ يمكننا التعدد في الآراء والطروحات والتباين في وجهات النظر بين أفراد الأسرة القاسمية، من إثراء النقاش وإغناء الحوار المعرفي، في سبيل رسم استراتيجية بعيدة المدى، ووضع آليات العمل في قابل الأيام، وخلق فضاءات للتواصل الفكري والحضاري لمواصلة مسيرة هذه الزاوية والتقدم بها إلى مستويات أعلى ودرجات أسمى.
ونرجو في هذا السياق ألا تنطبق علينا مقولة المفكر الجزائري مالك بن نبي: "إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاما مجردا بل أكثر من ذلك فهو يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيرا مؤثرا، ويقولون كلاما منطقيا من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق